استمرار مسار الانتقال السياسي، عبر تنظيم انتخابات دورية حرة ونزيهة، وهو ما سمح بتحقيق انتقال سلمي في السلطة، وهو جوهر الممارسة السياسية الديمقراطية، لا يجب أن تحجب عنا نقاط الضعف في هذه التجربة، التي يجمع جل المتابعين لها، على أنها وبرغم ما تحقق من مكاسب، تبقى "هشة" وغير مستقرة، وبالتالي فإن فرضية "الردة" تبقى ممكنة وواردة.
بالتمعن في واقع ومسار المشهد التونسي، نلاحظ هشاشة وضعف الحياة الحزبية، ما جعل التجربة كلها مبنية على توافق بين "الشيخين"، نعني هنا الرئيس قائد السبسي، وزعيم "النهضة" الإسلامية راشد الغنوشي، فالرئيس السبسي الذي فاز حزبه "نداء تونس" بالأغلبية البرلمانية، كان قادرا على الحكم بأغلبية "بسيطة"، لكنه اختار إشراك الإسلاميين في الحكم، من أجل ضمان الاستقرار السياسي والاجتماعي.
كما أن ما دفع السبسي لهذه "الشراكة" التي وجدت رفضا كبيرا، نجد الجواب عنه في ضعف الحياة الحزبية، بما في ذلك حزب "نداء تونس"، الذي تفكك بنيانه التنظيمي، وانقسمت كتلته البرلمانية، وغادره عدد كبير من قياداته، ومنهم من ذهب إلى تأسيس حزب جديد (حركة "مشروع تونس") يعاني بدوره من عدوى الانقسامات، ولا يستبعد أن يعيد إنتاج السيناريو الذي حصل مع الحزب الأم (نداء تونس).
تجدر الإشارة، إلى أن الخارطة الحزبية في تونس، تعرف أزمة هيكلية وبنيوية متجذرة، كانت ولا تزال عائقا أمام بناء أحزاب قوية وديمقراطية، وهي الضمانة الأساسية لحماية وتأمين أي تجربة ديمقراطية، فلا يمكن أبدا تصور ديمقراطية، بدون أحزاب جماهيرية وديمقراطية في تسييرها.
برزت وتأكدت أزمة الحياة الحزبية، من خلال تعدد الأزمات والصراعات داخل هذه الأحزاب، من ذلك أن أحزاب "كبيرة" فازت في الانتخابات وشاركت في الحكم قد اندثرت من الساحة، على غرار حزب "المؤتمر من أجل الجمهورية" الذي كان يتزعمه الرئيس السابق المنصف المرزوقي، وحزب "التكتل" بزعامة رئيس المجلس الوطني التأسيسي مصطفي بن جعفر، الذي شارك في حكم الترويكا مع حركة "النهضة".
كما اندثرت أحزاب عرفت بنضالها خلال فترة حكم الرئيس الأسبق بن علي، على غرار الحزب الديمقراطي التقدمي، بزعامة السياسي المخضرم أحمد نجيب الشابي، وهو حزب توارى نهائيا من الساحة وغير ممثل في البرلمان.
ولعل الحزب الوحيد الذي حافظ على استمراريته هو حركة "النهضة" الإسلامية، وهو يفسر بخصوصية هذا الحزب، الذي نجد في الواقع أنه أقرب إلى "الجماعة" العقائدية المغلقة، منه إلى الحزب السياسي العصري، ولعل هذا ما يفسر استمرار تماسكه ووحدته التنظيمية، ولعل الإبقاء على راشد الغنوشي زعيما للجماعة منذ التأسيس في سبعينات القرن الماضي إلى الآن، دليل على أن هاجس وحدة الصف هي التي تغلبت على بعض الخلافات أو التباينات، حتى وإن وجدت بصفة محتشمة.
في تعليقه وتحليله لواقع الحياة الحزبية في تونس، يرى المحلل والناشط السياسي، الحبيب بوعجيلة، أن البلاد عاشت بعد الثورة على اكتشاف أساسي وهو هشاشة الاحزاب.
ويضيف بوعجيلة في تصريح لـ"العربية.نت" أن الأحزاب التونسية، التي تقيم وحدة منظوريها فقط على سردية إيديولوجية، أو مجرد اعتقادات نظرية، يتم اكتشاف حدودها بسرعة بمجرد أن تصطدم بإكراهات الواقع وتعقيداته.
كما يعتبر بوعجيلة، أن ارتفاع منسوب الحرية، ونهاية الاستبداد تجعل إقامة أحزاب على مجرد معارضة السلطة أو الخصوم أي على مجرد برنامج الضد، دون بدائل شاملة وحلول لمشاكل الناس هذا يجعل الحزب غير قادر على التوسع والانتشار والاستقطاب بمجرد شعارات المعارضة وقول لا.
ويتابع محدثنا بأن تجربة الحكم والصراع الانتخابي الحر والديمقراطي، بينت حدود الطبقة السياسية وعدم امتلاكها لرؤى وتصورات شاملة، تجيب على إكراهات الحكم والدولة وانتظارات الناس الاقتصادية والاجتماعية، وفهم تعقيدات المشهد الدولي وكيفية التموقع وإدارة البلاد، في مشهد دولي صاخب تتجاذبه المحاور والمصالح المتناقضة للدول القوية، و ظاهرة الإرهاب المعولم العابر للقارات، وتوازنات الاقتصاد العالمي المتحول، في عصر التأثيرات المتبادلة بين دول لم يعد فيها مكان للمفهوم التقليدي للسيادة الوطنية القائمة على العزلة.
ويشير بوعجيلة إلى أن ضعف الأحزاب بهذا الفهم سببه نقص في إبداعية الفكر السياسي وصناعة البرامج لدى طبقة سياسية لم تطور نفسها. كما تبينت الهشاشة الأخلاقية للطبقة السياسية، حيث أن إغراءات الحكم ورغبات التموقع جعلت الأحزاب سريعا ما تتشقق بمجرد خلافات صغيرة على المغانم، وهنا طغت الرغبات الشخصية الفردانية وغيبت الوحدة اللازمة حول مشاريع حزبية جامعة وموحدة للقيادات والمنخرطين.
ويضيف بوعجيلة، لقد أصبح الطموح الشخصي والرغبة السريعة في تحقيق المغنم الشخصي، سببا في الاختلافات والانشقاقات، كما أن دخول المال السياسي والأذرع الإعلامية، على الخط جعلت الفكرة تترك مكانها لرغبة التموقع، دون مشروع فقد تفتت أحزاب ونشأت أخرى، بمجرد قرار شخصي توفرت له الأموال ووسيلة الإعلام.
ويختم الحبيب بوعجيلة بما يشبه صيحة فزع قائلا: الخوف هو أن ندخل عصر ديمقراطية شكلية، تقوم على صراع الأشخاص، والقوى عوضا عن صراع الأفكار والمشاريع.