قال كبير استراتيجيي الاستثمار في شركة "كرينشيرز"، أنطوني ساسين، إن تحقيق الصين لمعدل النمو المستهدف البالغ 5% لهذا العام يبدو أمراً صعبًا، خاصة في ظل التصعيد الأخير في الرسوم الجمركية من قبل الولايات المتحدة.
وأضاف ساسين في مقابلة مع "العربية Business": "مع هذا المستوى من الرسوم الجمركية، سيكون من الصعب على الصين أن تصل إلى هدفها بالنمو، ولكن من المؤكد أن الحكومة الصينية تُحضّر لحزمة تحفيزية مهمة تستهدف المستهلك والاستثمار الداخلي، بهدف مواجهة هذه التحديات".
وأوضح أن الصادرات كانت أحد المحركات الأساسية للناتج المحلي الإجمالي الصيني خلال العامين الماضيين، إلا أن الضغوط الناتجة عن السياسات الأميركية الحالية ستؤثر سلبا.
وأشار إلى أن الصين بدأت الاستعداد لهذه المرحلة منذ عام 2018، وتعلمت الدروس من أول موجة للحرب التجارية التي أطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، مضيفًا: "نعتقد أن الصين كانت قادرة على امتصاص الصدمة وربما كانت في وضع أفضل من الولايات المتحدة في بعض الجوانب خلال تلك الفترة".
وعن تلك الأفضلية، قال ساسين إن الصين قللت من اعتمادها على الولايات المتحدة خلال السنوات الماضية، حيث انخفضت قيمة التبادل التجاري بين البلدين من نحو 500 مليار دولار إلى حوالي 400 مليار دولار، أي ما يعادل 1% فقط من الاقتصاد الصيني.
سندات الخزانة الأميركية
وأضاف: "الصين لم تستخدم بعد كامل أدواتها. لديها أوراق مؤثرة أبرزها حيازتها لسندات الخزانة الأميركية، والتي تقدر بحوالي 750 مليار دولار، إلى جانب نفوذها الكبير على شركات أميركية تجني أرباحا ضخمة من السوق الصينية".
وأشار أيضا إلى أن لدى الصين أدوات ضغط على الصعيد الجيوسياسي، مثل علاقاتها مع روسيا وكوريا الشمالية، إضافة إلى اكتفائها الذاتي من الطاقة والمواد الأساسية، مما يمنحها مرونة في مواجهة القيود الأميركية.
وفي المقابل، أوضح ساسين أن الولايات المتحدة تواجه تحديات داخلية كبيرة، أبرزها معدلات التضخم المرتفعة، والتي بدأت تظهر آثارها في الأسواق، مشيرا إلى أن "سوق السندات الأميركية بدأت تسعّر هذا الارتفاع، وهو ما يشكل نقطة ضغط واضحة على إدارة ترامب، المعروفة بحساسيتها تجاه ملف التضخم".
ردا على سؤال حول ما إذا كانت الصين قد بدأت بالفعل في تصفية حيازاتها من السندات الأميركية، قال ساسين: "من الممكن أن تكون الصين قد بدأت بالفعل بالبيع، أو على الأقل خفضت من وتيرة الشراء. من الطبيعي أن تبدأ سوق السندات بالتفاعل مع هذه التغيرات، خصوصا مع تصاعد التوترات التجارية وعودة ترامب إلى فرض الرسوم بشكل واسع".
وأكّد أن هذا أحد الأسباب التي قد تكون دفعت ترامب إلى التراجع عن بعض الإجراءات مؤخرا، خاصة المتعلقة بالرسوم على قطاع الإلكترونيات، الذي يُعد من أكبر قطاعات التصدير الصينية إلى الولايات المتحدة.
وعما إذا كان ترامب في موقف تفاوضي أضعف حاليًا، قال ساسين: "الصين تملك القدرة على الصمود، ولكن الولايات المتحدة تملك الرافعة الاقتصادية الأكبر على الصين. هاتان النقطتان مهمتان جدًا لفهم موازين القوة في هذه الحرب التجارية".
وأضاف أن التأثيرات السلبية لهذه الحرب بدأت تظهر أولا في الولايات المتحدة، خصوصا من حيث التضخم وتباطؤ النشاط الاقتصادي، مؤكدا أن الأشهر المقبلة ستكون حاسمة في تحديد اتجاه هذا الصراع.
وجهات بديلة
وعن مصير الصادرات الصينية في حال تراجع التجارة مع الولايات المتحدة بنسبة 50% أو أكثر، قال ساسين: "عندما ذكرت احتمال تراجع الصادرات إلى هذا الحد، كنت أُشير إلى إمكانية توجيهها إلى وجهات بديلة، ولكن هذا بحد ذاته يطرح تحديات جديدة".
وأوضح أن تحول الصادرات الصينية نحو أوروبا أو دول جنوب شرق آسيا قد يؤدي إلى توترات إضافية، لاسيما وأن تلك الدول تعتمد على التصدير وتعاني من ضعف في الاستهلاك المحلي بعد جائحة كوفيد.
وقال إن تداعيات الحرب التجارية ستستمر في التأثير على الأسواق العالمية، وأن العالم سيشهد إعادة تشكيل للعلاقات التجارية بين القوى الكبرى، مما يتطلب مرونة واستجابة سريعة من كافة الأطراف.