مخصصات الموازنة الأوروبية الجديدة تفجر غضب المزارعين

هل تصبح "بداية النهاية" للسياسة المشتركة؟

المصدر: بروكسل- (د ب أ )
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
8 دقائق للقراءة

فجرت المفوضية الأوروبية مشكلات ومواقف خطيرة، بالنظر للمخصصات المتضمنة في "الإطار المالي متعدد السنوات" الجديد (موازنة الاتحاد الأوروبي) للفترة 2028-2034. وأثارت المخصصات غضبا عارما بين المزارعين، في أنحاء التكتل.

والسؤال المطروح هو: ما هي التغييرات قيد الإعداد لمستقبل "السياسة الزراعية المشتركة" التي أدت إلى هذا الغضب بين المزارعين؟ علما بأن "السياسة الزراعية المشتركة هي إطار العمل الرئيسي للاتحاد الأوروبي لتنظيم الزراعة في الدول الأعضاء.

وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، أثناء تقديم الموازنة الجديدة، والتي تبلغ قيمتها 2 تريليون يورو (2.3 تريليون دولار)، للصحافيين في بروكسل يوم الأربعاء الماضي، إنها "ستكون الأكثر طموحا على الإطلاق".

دمج للخطط الرئيسية

ويشمل المقترح دمج الخطين الرئيسيين للموازنة الحالية التي تبلغ قيمتها 1.2 تريليون يورو، وهما "السياسة الزراعية المشتركة" و"سياسة التماسك". وتمثل السياستان معا ثلثي الأموال في خطط الشراكة الوطنية والإقليمية، حيث سوف تنالان 865 مليار يورو، بما يجمع بين مختلف بنود الموازنة المستقلة حاليا: السياسة الزراعية المشتركة، والتنمية الريفية، والتماسك، وصناديق التنمية الإقليمية. وأثارت هذه الخطوة انتقادات شديدة من جهات متعددة.

وأكدت المفوضية استمرار السياسة الزراعية المشتركة وفق قواعدها الخاصة ومواردها المالية المخصصة، خاصة ما يتعلق بالمساعدات المباشرة للمزارعين. ورغم ذلك، سوف يتم إلغاء تدبيرين، على الأقل، بشأن دعم المناطق الريفية المحرومة والابتكار الزراعي من تمويل السياسة الزراعية المشتركة وتحويلهما إلى تمويل التماسك الإقليمي.

وقال مفوض الموازنة بيوتر سيرافين إنه بحسب خطط المفوضية، سوف يكون هناك 300 مليار يورو مضمونة لدعم المزارعين - مقابل حوالي 387 مليار يورو (منها 270 مليار يورو مدفوعات مباشرة)، في الموازنة الحالي (2021-2027).

وأكد مفوض الزراعة في الاتحاد الأوروبي كريستوف هانسن أن دعم المزارعين سوف يكون أفضل استهدافا. واتهم نواب وممثلو المزارعين في الاتحاد الأوروبي المفوضية بعدم تخصيص ما يكفي من أموال للأولويات، بما يشمل التكيف مع التغير المناخي، والإعانات الزراعية التي تشكل حاليا الحصة الأكبر من موازنة التكتل.

ولخص جير كوبمانس، رئيس الجمعية الزراعية والبستانية الهولندية وجهة نظر المزارعين، بقوله: "يعني هذا أن السياسة الزراعية المشتركة تفقد قواسمها المشتركة. وعلاوة على ذلك، فإن الخفض الكبير في الموازنة الزراعية على المستوى الأوروبي يعني استثمارا أقل في عمليات التخضير والاستدامة.

كارثة مرتقبة

وقالت منظمة "كولديرتي" (منظمة زراعية إيطالية تمثل وتحمي المصالح الزراعية في البلاد) في بيان عن أرقام الموازنة: "طالب المزارعون بزيادة الأموال، وليس خفضها. إنها كارثة مرتقبة... إنها نهاية الزراعة في أوروبا". وقالت رابطة "تشيا-أغريكولتوري إيطالياني"، الزراعية الإيطالية: "إنها نهاية الزراعة".

وتتعلق المخاوف في هذا الإطار بالعديد من القضايا، ويتمثل أحد مصادر الخوف الثابتة في الدمج المقترح لركيزتي السياسة الزراعية المشتركة في صندوق واحد، أو دمجهما في سياسة تماسك أوسع نطاقا.

وتشير "الركيزتان" إلى مجالي التمويل الرئيسيين في السياسة الزراعية للاتحاد الأوروبي: الركيزة الأولى التي تغطي المدفوعات المباشرة للمزارعين وتدابير السوق، والثانية التي تركز على التنمية الريفية.

ويوضح رئيس الغرفة الزراعية والغذاء في سلوفاكيا أندريه غايدوش: "تكفل الركيزة الأولى دخلا عادلا، وتغطي الثانية التنمية الريفية، وتوفير الخدمات الزراعية والغذائية للسكان".

وقال مارتن بيخا، رئيس الاتحاد الزراعي في جمهورية التشيك، إن مقترح موازنة الاتحاد الأوروبي أكد مخاوف المزارعين من التخفيضات الحادة. وأضاف: "يحدد هذا أيضا الشكل المستقبلي للسياسة الزراعية الأوروبية، حيث ستجرى تغييرات جوهرية في الهيكل والتمويل. ومن المقرر إلغاء الهيكل ذي الركيزتين، الذي يتم بمقتضاه توزيع الأموال، في المقام الأول على الاستثمارات وما يسمى بالمدفوعات المباشرة المرتبطة بالمساحة أو تربية الماشية".

نقطة تحول

ويرى وزير الزراعة الألماني ألويس راينر في اقتراح دمج موازنتي السياسة الزراعية والتماسك "نقطة تحول خطيرة".

ووصف الاتحاد الوطني لنقابات المزارعين بفرنسا الدمج، في بيان، بأنه "إضعاف محض وبسيط للموازنة الزراعية"، وأنه سيسهم في خلق "ساحة لعب غير متكافئة" عبر تحويل مسؤوليات السياسة الزراعية المشتركة للدول، حيث من الممكن أن يؤدي نقل المزيد من سلطة اتخاذ القرار بشأن أموال الزراعة إلى الدول الأعضاء، كل على حدة، إلى عدم المساواة بين المزارعين في السوق الداخلية للاتحاد الأوروبي.

وقال اتحاد المنتجين الزراعيين في بلغاريا، إن خطط المفوضية قد "تفتح الباب أمام إعادة تخصيص الأموال لأولويات أخرى، دون أي ضمانة حقيقية للمزارعين، وتضع المزارعين من مختلف الدول الأعضاء في وضع ليس فيه مساواة، وتؤدي إلى فقدان الشفافية وقابلية المقارنة بين الدول الأعضاء".

وقال غايدوش إن هذا من شأنه أن يسبب عدم مساواة واسعة في السوق الداخلية، مضيفا: "في رأينا، هذه هي بداية النهاية للسياسة الزراعية المشتركة ويجب أن نرفع صوتنا ضد هذا الأمر، وها نحن نفعل".

تحذيرات متعددة

كما جاءت تحذيرات مماثلة بشأن عدم المساواة من إسبانيا، حيث أعربت عضو البرلمان الأوروبي الاشتراكية الديمقراطية كريستينا مايستري عن قلقها من احتمال "تشويه السياسة الزراعية المشتركة"، عبر دمجها في صندوق، دون توجيه أو ضمانات، مما يضع مستقبل الزراعة الأوروبية تحت رحمة كل دولة عضو. وانضمت غرفة الزراعة والغابات في سلوفينيا إلى الانتقادات، حيث أكدت أن الدمج يفكك السياسة الزراعية المشتركة.

وهناك ثمة قلق مشترك من أن تخفيضات الموازنة والتغييرات في "السياسة الزراعية المشتركة" سوف تؤثر بالسلب على إنتاج الغذاء في الاتحاد الأوروبي، مما قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية وزيادة الاعتماد على الواردات ذات الجودة المنخفضة من دول ثالثة.

وتصر البرتغال، على سبيل المثال، على أن تمويل "السياسة الزراعية المشتركة" يجب أن يستمر عند مستوياته الحالية. وشدد وزير الزراعة البرتغالي، خوسيه مانويل فرنانديز، على أن دعم دخل المزارعين هو في حد ذاته مسألة دفاع استراتيجي، لأنه يدعم الأمن الغذائي والاستقلال الاستراتيجي للقارة.

ولخص النقابي التشيكي بيخا مخاوفه على موقع التواصل الاجتماعي إكس، حيث غرد: "سوف يسعد مستوردو الأغذية من دول ثالثة بهذه الموازنة، على نحو خاص،" مضيفا أن ارتفاع أسعار المواد الغذائية قد يحدث نتيجة لذلك.

مخاطر كبرى

ويقر مزارعو أوروبا بالمطالب المتنامية من أجل التدابير البيئية والرفاهية والإدارية، ولكنهم يؤكدون أنهم بحاجة إلى دعم مالي وإلى أدوات كافية لتلبية هذه المعايير المرتفعة، وضمان الاستدامة. وقال بيخا: "صار إنتاج أغذية ذات جودة عالية في أوروبا أمرا محليا وباهظ التكلفة على نحو متزايد، وينطوي على المزيد من الأعمال الورقية بسبب المعايير المرتفعة، والتي من الواضح أن الاتحاد الأوروبي لا ينوي التراجع عنها."

كما حذر خاومي بيرنيس، من هيئة "التنسيق بين منظمات المزارعين ومربي الماشية"، الإسبانية، من أنه سوف يكون من قبيل المستحيل تحقيق تقدم في الاستدامة أو ضمان استمرارية القطاع، بدون دعم مالي كاف.

ويؤكد الساسة وجماعات الضغط الزراعية ضرورة زيادة الموازنة، أو على الأقل الإبقاء عليها عند المستويات الحالية، وتعديلها بحسب معدل التضخم، لتعويض ارتفاع التكاليف.

وانتقد الاتحاد الوطني لنقابات المزارعين في فرنسا المفوضية الأوروبية لاقتراحها فعليا تخفيض موازنة السياسة الزراعية المشتركة بنسبة 20%.

كما ندد بيدرو باراتو، من جمعية المزارعين الشباب (أساجا) في إسبانيا، بالتخفيضات المقترحة، وحذر خوسيه مانويل روش من اتحاد صغار المزارعين ومربي الماشية، في إسبانيا أيضا، من أن هذه الاستراتيجية يمكن أن "تُخفي خفضا حقيقيا في الأموال للمزارعين".

وقالت عضو البرلمان الأوروبي السلوفاكية كاتارينا روث نيفيدالوفا: "بالنسبة لنا، في أوروبا الشرقية، من المهم الحفاظ على المدفوعات المباشرة وزيادتها تدريجيا"، مضيفة أن المزارعين في بلادها يتلقون حاليا حوالي 85% من متوسط مدفوعات مزارعي الاتحاد الأوروبي.

مفاوضات مطولة في الطريق

ويتأهب المزارعون وممثلوهم لمفاوضات مطولة، وصعبة، للدفاع عن مصالحهم. واحتشد المزارعون من أنحاء أوروبا في بروكسل، يوم الأربعاء الماضي، في جولة أولى، دون جراراتهم الزراعية.

وقال أرنو روسو، رئيس الاتحاد الوطني لنقابات المزارعين في فرنسا، خلال المظاهرة: "هذا الاقتراح استفزاز... لا أحد لديه مصلحة في تحدي المزارعين الأوروبيين. إذا لم تصل هذه الرسالة، سنعود من جديد".

وشهدت بروكسل وعواصم أوروبية أخرى احتجاجات نظمها المزارعون العام المضي، ضد الواردات رخيصة الثمن، وهوامش الربح المنخفضة وعبء القواعد البيئية.

ومن المتوقع أن تتواصل المفاوضات بشأن مقترح الصندوق متعدد الأطراف بين الدول الأعضاء الـ27 والبرلمان الأوروبي حتى نهاية عام 2027. وبالطبع سوف تتصدر مسألة "السياسة الزراعية المشتركة" المفاوضات العسيرة المقبلة.

الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط