رغم أن وارن بافيت التزم الهدوء معظم عام 2025، فإن الخطوات القليلة التي اتخذها تحمل رسائل قوية.
واصلت شركة "بيركشاير هاثاواي" تعزيز احتياطياتها الضخمة من السيولة وأذون الخزانة، فيما قلصت جزءاً من حصتها في "أبل"، وفي الوقت نفسه اشترت أسهماً في قطاعات تبدو فيها جيوب للقيمة، مثل شركات التأمين الصحي، والمطورين العقاريين، وصناعة الصلب.
وتكشف الصورة العامة استراتيجية بافيت الكلاسيكية، التريث عندما تبدو السوق مبالغاً في تقييمها، والشراء بقوة عندما تخلق المخاوف قصيرة الأجل فرصاً مغرية.
الانتظار أفضل من المخاطرة
منذ بداية العام، كان بافيت واضحاً بشأن تفضيله للاحتفاظ بالسيولة، لكن إفصاحات "بيركشاير" لدى هيئة الأوراق المالية الأميركية (SEC) تكشف عن ميل أكبر نحو النقد، إذ ارتفع "صندوق الحرب" للشركة إلى مستوى قياسي بلغ 340 مليار دولار، لتصبح حيازتها من أذون الخزانة أكبر حتى من الاحتياطي الفيدرالي.
الاحتفاظ بهذه السيولة الضخمة تمنح "بيركشاير" فرصة الاستفادة من أسعار الفائدة الحقيقية منخفضة المخاطر، بينما تنتظر تقييمات أفضل في سوق الأسهم.
ويعني هذا أن رسالة بافيت واضحة للمستثمرين الأفراد، "الأسواق باهظة الثمن، الصبر ليس خطأ، بل استراتيجية ذكية".
مؤشر آخر على حذر بافيت هو توقف عمليات إعادة شراء أسهم بيركشاير منذ مايو 2024، وهي أطول فترة جفاف منذ منحه صلاحيات موسعة لإعادة الشراء في 2018. إذا كان "أكثر المستثمرين صبراً" لا يرى قيمة في أسهم شركته، فهذا يعني أن الفرص نادرة.
تقليص الرابحين والبحث عن القيمة
خفض بافيت حصته في "أبل" مرة أخرى هذا العام، ببيع نحو 20 مليون سهم، رغم أنها لا تزال أكبر استثمار لبيركشاير. ولا يعني ذلك بالضرورة التخلي عن أسهم التكنولوجيا، بل الحذر من التركيز المفرط أو الاحتفاظ بأصول قد تكون أسعارها مبالغاً فيها.
في المقابل، كشفت بيركشاير عن استثمار بقيمة 1.6 مليار دولار في "UnitedHealth Group"، إضافة إلى مراكز في قطاعات دورية مثل التطوير العقاري "Lennar"، و"D.R. Horton"، والصلب عبر شركة "Nucor".
صفقة "يونايتد هيلث" تعبر عن فلسفة غريبة لبافيت، حيث تواجه الشركة ضغوطاً تنظيمية، وتكاليف رعاية صحية مرتفعة، وتحقيقات حكومية - وهي أخبار سلبية قد توحي بمشكلات مؤقتة لشركة قوية.
ويعني رهان بافيت أنه يرى "خندقاً دفاعياً" متيناً لشركة ذات مزايا تنافسية طويلة الأجل تُتداول بسعر منخفض. ويقول "الدرس للمستثمرين": ابحث عن شركات عالية الجودة تُعاقب مؤقتاً من السوق.
بافيت يراهن على الأصول الحقيقية
ورغم حذره، أطلق بافيت "مدفع الفيل" في صفقة ضخمة عام 2025: شراء وحدة البتروكيماويات التابعة لـ أوكسيدنتال بتروليوم (OXY) مقابل نحو 9.7 مليار دولار، وهي أكبر صفقة منذ 2022.
"بيركشاير" تمتلك بالفعل نحو 28% من أسهم "أوكسيدنتال"، والخطوة تؤكد أن بافيت عندما يغامر، يختار أصولاً حقيقية تولد تدفقات نقدية، وتتمتع بالقوة التسعيرية، وفرص إعادة التموضع.
الصفقة تذكير أيضاً بأن بافيت لا يكشف أوراقه دائماً. القوانين الأميركية تسمح للمستثمرين الكبار بإخفاء بعض المشتريات مؤقتاً لتجنب رفع الأسعار قبل اكتمال بناء المراكز—وهي نفس الاستراتيجية التي استخدمها في استثمار كبير بشركة Chubb عام 2024.
الرسالة الأخيرة للمستثمرين
عام 2025 كان هادئاً لـ"بافيت"، لكن خطواته القليلة كانت صاخبة بما يكفي: سيولة قياسية، توقف عن إعادة الشراء، تقليص في الأسهم الغالية، واستثمارات انتقائية في شركات قوية تعاني من ضغوط مؤقتة، إضافة إلى صفقة ضخمة في الأصول الحقيقية.
ويعتقد أن هذا هو الدرس الأخير من بافيت: لا تستسلم لـ"فومو" في سوق مرتفعة التقييمات، قلّص مراكزك المكلفة، وابحث عن شركات ذات "خنادق دفاعية" تُباع بسعر مغرٍ. الفرصة الكبيرة ستأتي، وعندما تأتي، ستحتاج إلى "أموال نقدية" جاهزة تماماً كما يفعل بافيت.