في واحدة من أكثر الميزانيات إثارة للجدل منذ سنوات، استيقظت بريطانيا على خطة مالية جديدة قدمتها وزيرة الخزانة ريتشيل ريفز، ووصفتها مراكز الأبحاث بأنها تقوم على مبدأ "اصرف اليوم وادفع الثمن غداً"، في إشارة إلى أن آثارها الحقيقية لن تظهر الآن، بل ستتراكم على المدى المتوسط، وتحديداً بعد عام 2028.
إنفاق فوري.. وألم مؤجّل
ورغم أن ريفز نجحت في تهدئة الأسواق المالية فور الإعلان عن الميزانية، فإن الخبراء يجمعون على أن الجزء الأصعب لم يظهر بعد. فوفق التحليلات، ستتحمل السنوات التي تسبق الانتخابات المقبلة في نهاية العقد العبء الأكبر من هذه الخطة.
أعلنت ريفز عن زيادات ضريبية بقيمة 26 مليار جنيه إسترليني، إلا أن معظم هذه الضرائب لن يبدأ تطبيقها وتأثيرها الفعلي إلا مع اقتراب نهاية العقد، مما يجعل عبئها السياسي والاقتصادي مؤجلاً عمداً. وفي المقابل، تشمل الميزانية زيادة ملحوظة في الإنفاق على دعم الأسر، الأجور المرتبطة بالتضخم، رعاية ذوي الاحتياجات الخاصة، فيما يحتاج تمويل خدمات عامة إلى إعادة إنعاش عاجلة.
طمأنينة اليوم.. وألم الغد
صحيفة "فايننشال تايمز" نقلت عن خبراء اقتصاديين قولهم إن الميزانية تبدو وكأنها مصممة لإرسال رسائل تهدئة فورية للأسواق والمستثمرين، لكنها في الوقت ذاته تؤجل الجانب المؤلم إلى ما بعد 2028، أي إلى فترة أقل حساسية سياسياً.
أما "المكتب المستقل للمسؤولية الميزانية" في بريطانيا فكان أكثر صراحة، إذ أكد أن أياً من تدابير ريڤز لن يرفع معدلات النمو على المدى الطويل، ما يثير تساؤلات حول جدوى خطة تعتمد على التأجيل أكثر من المعالجة الفعلية.
علامة استفهام كبيرة.. هل ستلتزم الحكومة؟
رغم أن الأسواق رحبت مبدئياً بالخطوات الجديدة، فإن النقاش الحقيقي يدور الآن حول مدى التزام الحكومة المقبلة بتطبيق الضرائب المؤجلة، خاصة مع حساسية توقيت التنفيذ قبل انتخابات نهاية العقد. فالبيانات تكشف بوضوح أن التقشف الحقيقي سيبدأ بعد ثلاث سنوات، مع بدء تفعيل الضرائب وعودة ضبط المالية العامة بشكل قاسٍ؛ ما يطرح سؤالاً محورياً: هل تؤجل بريطانيا انفجار القنبلة المالية؟
وبينما تعد ريفز اليوم بالاستقرار والقدرة على استعادة الثقة الاقتصادية، يرى كثير من المحللين أن البلاد قد تجد نفسها أمام موجة تقشف جديدة بحلول 2028، ما لم تتحقق معدلات نمو أعلى أو تنجح الحكومة في تحسين الإيرادات من دون الضغط على دافعي الضرائب.