مع كل أزمة عالمية، من جائحة كورونا إلى الحرب الروسية الأوكرانية، ثم تصاعد التوترات في الشرق الأوسط، يواجه الاقتصاد المصري اختباراً جديداً للصمود. رغم تنفيذ مصر برامج إصلاح هي الأكبر في تاريخها الحديث، فإن الضغوط الخارجية تستمر في تهديد الاستقرار المالي والنقدي، تاركة تساؤلات حول قدرة الاقتصاد على الاعتماد على نفسه بعيداً عن التحولات العالمية.
منذ عام 2016، شرعت مصر في تنفيذ برنامج إصلاح اقتصادي واسع بالتعاون مع "صندوق النقد الدولي"، شمل تعويم العملة، خفض الدعم، وإعادة هيكلة المالية العامة، مع تحميل المواطن جزءاً كبيراً من تكاليفه.
حرب إيران تغير المسار.. الجنيه المصري يفقد "مكاسب العام" في يومين
بالتوازي، نفذت الدولة مشاريع ضخمة لتطوير البنية التحتية: طرق، مدن حديثة، موانئ، مطارات، وشبكات نقل، بتقديرات إنفاق تجاوزت 500 مليار دولار، بهدف بناء اقتصاد أكثر قدرة على جذب الاستثمار ودعم النمو.
لكن سلسلة الأزمات العالمية وضعت الاقتصاد المصري أمام اختبارات حقيقية.
في 2020 ضربت جائحة كورونا الاقتصاد العالمي، مؤثرة على الإيرادات والسياحة والتحويلات.
وفي 2022 أطلقت الحرب الروسية الأوكرانية موجة هروب للأموال الساخنة من أدوات الدين المصرية.
لماذا يتعرض الاقتصاد المصري لهزات متكررة عند حدوث أية أزمات حول العالم؟ الإجابة مع الزميلة فهيمة زايد#العربية_Business pic.twitter.com/PHhpUxtLBI
— العربية Business (@AlArabiya_Bn) March 6, 2026
وأيضاً في 2023، أدت حرب غزة إلى تراجع إيرادات قناة السويس بشكل حاد، وزادت التوترات الإقليمية من ضغوط أسعار الطاقة وفاتورة الواردات، وتأثير ذلك على سعر الجنيه.
رغم ذلك، سجل الاقتصاد المصري معدل نمو يقارب 5.3% خلال أول ربعين من العام المالي الحالي، وهو ما دفع الحكومة للتأكيد على تعافي الاقتصاد تدريجياً وأن ثمار النمو ستنعكس على المواطنين.
لكن الاقتصاد المصري لا يزال يعتمد بدرجة كبيرة على الموارد الدولارية المرتبطة بالظروف الخارجية، مثل: تحويلات المصريين في الخارج، إيرادات السياحة، وعوائد قناة السويس، وهي ركائز مهمة لكنها حساسة جداً للأزمات العالمية.
تشير البيانات إلى أن إجمالي الإيرادات الدولارية من هذه المصادر بلغ 112.6 مليار دولار في 2025، فيما تراجعت إيرادات قناة السويس إلى 4.1 مليار دولار بعد أن كانت تقترب من 10 مليارات دولار قبل حرب غزة، إلا أن هذه المصادر تمثل أكثر من 56.5% من إجمالي النقد الأجنبي، ما يوضح هشاشة الاقتصاد أمام الصدمات الخارجية.
إضافة إلى ذلك، تحول الاقتصاد المصري في السنوات الأخيرة إلى مستورد صافٍ للطاقة، مع فاتورة واردات نفط وغاز بلغت نحو 20 مليار دولار خلال العام المالي 2024-2025، مما يزيد من حساسيته لتقلبات أسعار الطاقة العالمية.
وبالتالي، فإن التحدي الحقيقي ليس فقط تحقيق معدلات نمو مرتفعة، بل تغيير نموذج الاقتصاد من اقتصاد الريع إلى اقتصاد الإنتاج، والسؤال الأهم لا يكون كم ينمو الاقتصاد، بل كيف ينمو وعلى ماذا يعتمد؟.