وسط التحول التاريخي للثروات بين الأجيال، لا تقتصر التركات على العقارات والأسهم، بل تمتد إلى أصول غير تقليدية تحمل قيمة مالية وعاطفية هائلة. فمع انتقال ما يقدر بـ570 مليار دولار من السيارات الكلاسيكية في الولايات المتحدة وحدها، يجد جيل الألفية و"الجيل إكس" أنفسهم أمام معادلة معقدة: هل يحتفظون بذكرى من أحبوهم.. أم يتخلصون من عبء مكلف يصعب استدامته؟
يروى أليكس روي قصة تعكس هذا التوتر بوضوح. حيث يحتفظ الرجل بسيارة Citroën SM موديل 1973 التي تركها شقيقه الراحل، رغم أعطالها المستمرة وكلفة صيانتها المرتفعة. بالنسبة له، السيارة ليست مجرد وسيلة نقل، بل امتداد لذاكرة عائلية تعود إلى الحرب العالمية الثانية، عندما أنقذت سيارة من العلامة نفسها أسرته من بروكسل إلى باريس.
هذا الشعور يتكرر لدى كثيرين، خاصة بعدما فقد روي سابقاً سيارات والديه وباعها لاحقاً، وهو ما يصفه الآن بأنه خطأ لا يريد تكراره.
تقدر شركة "هاغرتي" المتخصصة في تأمين السيارات الكلاسيكية أن نحو 12 مليون سيارة هواة ستنتقل إلى جيل جديد خلال 15 عاماً، بقيمة إجمالية تقارب 570 مليار دولار.
وتأتي هذه التحولات ضمن ما يعرف ب"التحول الكبير للثروة" عالمياً، حيث تقدر شركة "Cerulli Associates" حجم الأصول المنتقلة من جيل "الطفرة السكانية" إلى الأبناء بنحو 90 تريليون دولار خلال العقود المقبلة، وفقاً لما ذكرته "بلومبرغ"، واطلعت عليه "العربية Business".
سيارات تتحول إلى رموز شخصية
بالنسبة لكثيرين، تتجاوز السيارات قيمتها السوقية لتصبح "رموزاً" للهوية والذكريات. وثق أيدان دي كادينيت، على سبيل المثال، في فيلم قصير قصة سيارة والده "Alfa Romeo TZ" موديل 1964، وحصد العمل تفاعلاً واسعاً بسبب ما حمله من مشاعر الفقد والحنين.
وقال: "هذه الأشياء المحددة جداً هي التي تعرفنا".
الأمر نفسه ينسحب على تجارب من مانيلا إلى بريطانيا، حيث يحتفظ ورثة بسيارات مثل مرسيدس 300TD أو جاجوار E-Type، رغم تكاليف الصيانة المرتفعة، باعتبارها جزءاً من تاريخ العائلة.
في المقابل، يختلف الجيل الجديد في نظرته. فبحسب الرئيس التنفيذي ل"هاغرتي"، يميل الشباب إلى سيارات التسعينيات وما بعدها، وفق ما يعرف ب"قاعدة الثلاثين عاماً"، حيث تصبح سيارات الطفولة قابلة للاقتناء لاحقاً.
وفي حين اشتهر جيل "الطفرة السكانية" بجمع السيارات والمقتنيات بكثافة، فإن الأجيال الأصغر أقل ميلاً للتكديس وأكثر اهتماماً بالمرونة.
سوق بمليارات الدولارات ينمو سريعاً
شهدت سوق السيارات الكلاسيكية نمواً لافتاً خلال العقدين الماضيين، إذ تضم أكثر من 43 مليون سيارة في الولايات المتحدة بقيمة تأمينية تقارب تريليون دولار.
ومن المتوقع أن تستمر هذه السوق في التوسع، لتصل إلى نحو 25 مليار دولار بحلول 2032، مقارنة ب 12.6 مليار دولار في 2024، مدفوعة جزئياً بتأثير وسائل التواصل الاجتماعي التي جذبت جيلاً جديداً من الهواة.
رغم الطابع الرومانسي، تحمل هذه التركات تعقيدات قانونية وعائلية. فقد تتحول السيارات إلى مصدر نزاع بين الورثة، خاصة مع تقلب قيمتها السوقية أو عدم وضوح الوصايا.
كما أن الاحتفاظ بها ليس سهلاً؛ فهي تحتاج إلى مساحة تخزين، وصيانة دورية، وتشغيل منتظم، وفي بعض الحالات، يدفع الورثة عشرات الآلاف من الدولارات للحفاظ على سيارة لا تتجاوز قيمتها السوقية ذلك.
بين التخلي والتمسك.. قرارات شخصية
تختار بعض الحالات بيع السيارة واستخدام العائد في اقتناء شيء يحمل معنى شخصياً مختلفاً، كما فعلت أماندا دي كادينيت حين باعت إحدى سيارات والدها لشراء سيارة تحبها. بينما يصر آخرون على الاحتفاظ بها كجزء من إرث لا يقدر بثمن.
تكشف هذه الظاهرة عن علاقة معقدة بين الإنسان والمقتنيات. فالسيارات، رغم تغير دورها مع ارتفاع أسعار الوقود والتحول نحو المركبات الكهربائية، تظل بالنسبة للكثيرين رمزاً للحرية والهوية والإنجاز.
وبينما تنتقل هذه الأصول بين الأجيال، لا تنتقل معها الثروة فقط، بل أيضاً القصص، والمشاعر، والقرارات التي تعكس كيف نختار أن نتذكر من رحلوا.