تحولت أزمة تعثر بعض المشروعات العقارية في مصر من مجرد تداعيات لارتفاع تكاليف البناء وتقلبات سعر الصرف إلى تساؤلات أعمق حول آليات التمويل وإدارة أموال العملاء داخل القطاع. فبينما يدافع مطورون عن رفع أسعار الوحدات الجديدة باعتباره ضرورة لتعويض الزيادات غير المسبوقة في التكلفة، يرى خبراء وعملاء أن بعض الممارسات المطروحة تعكس نموذجاً مقلقاً يعتمد على توظيف سيولة المشروعات الجديدة لاستكمال التزامات مشروعات سابقة متعثرة.
وأثارت تصريحات صدرت عن بعض المطورين العقاريين جدلاً واسعاً بعدما ربطت بين تسعير المشروعات الجديدة وتغطية الفجوات التمويلية الناجمة عن مشروعات قديمة لا تزال قيد التنفيذ، وهو ما اعتبره مراقبون مؤشراً على اعتماد بعض الشركات على التدفقات النقدية الجديدة لضمان استمرار الإنشاءات في مشروعات سبق بيعها للعملاء.
ويعني ذلك عملياً أن أقساط المشترين الجدد قد تتحول إلى مصدر تمويل رئيسي للالتزامات القديمة، بما يجعل استمرار التنفيذ مرهوناً بالحفاظ على وتيرة مرتفعة من المبيعات الجديدة. ويقول منتقدو هذه الممارسات إن هذا الخلط بين الموارد المالية للمشروعات المختلفة يعكس غياب أدوات رقابية تضمن تخصيص أموال كل مشروع لتمويله بشكل مستقل.
وفي هذا السياق، دعا الخبير الاقتصادي هاني توفيق إلى تبني نظام حسابات الضمان (Escrow Accounts) كآلية إلزامية لتنظيم السوق، من خلال تخصيص حساب مصرفي مستقل لكل مشروع تودع فيه أموال المشترين، مع قصر استخدامها على تمويل الأعمال الإنشائية وفق نسب تنفيذ معتمدة هندسياً.
وحذر توفيق من استمرار غياب هذه الآلية، مشيراً إلى أن بعض الشركات تعتمد على توريق أو خصم شيكات العملاء لدى البنوك لتوفير سيولة تستخدم أحياناً في الوفاء بالتزامات أخرى، بدلاً من توجيهها بالكامل إلى المشروع الذي جمعت من أجله.
تسويات بدلاً من التسليم
وكشف أحد المطورين العقاريين، الذي يواجه تأخراً في تنفيذ مشروع كان مقرراً تسليمه خلال العام الحالي، أن شركته لجأت إلى التفاوض مع العملاء للتوصل إلى تسويات تضمنت تأجيل الأقساط أو مد فترات السداد مقابل تأجيل موعد التسليم لعامين إضافيين.
وأوضح لـ"العربية Business" أن نحو 95% من العملاء وافقوا على المقترح، بينما اختار نحو 5% فقط الانسحاب واسترداد أموالهم، لافتاً إلى أن الشركة ترد المبالغ المستحقة نقداً بعد خصم 10% كمصروفات إدارية، وهو ما اعتبره أكثر مرونة من بعض الممارسات المتبعة في السوق.
في المقابل، أرجع مطور آخر تأخر أحد مشروعاته لنحو أربع سنوات إلى الارتفاعات الحادة في سعر الدولار وموجات التضخم التي قفزت بتكاليف التنفيذ ومدخلات البناء إلى مستويات تجاوزت تقديرات دراسات الجدوى الأصلية.
وأضاف أن الشركة أوقفت تحصيل الأقساط من العملاء المنتظمين خلال فترة التأخير، وقدمت حوافز متنوعة شملت تخفيضات على رسوم الصيانة ومزايا إضافية يتم تحديدها وفق ظروف كل حالة، مؤكداً أن الشركة تسعى لتحقيق توازن بين مصالحها ومصالح المشترين عند تسوية النزاعات أو طلبات الاسترداد.
أقساط تدفع ووحدات لم تسلم
وعلى الجانب الآخر، قال مصطفى عبدالعليم، أحد المتضررين من تأخر التسليم، إن المشكلة لا تقتصر على تجاوز الجداول الزمنية للمشروعات، بل تمتد إلى استمرار العملاء في سداد الأقساط لسنوات طويلة دون الحصول على وحداتهم.
وأضاف أن بعض المشترين كانوا ينتظرون الاستلام منذ أعوام 2021 و2023 و2024، فيما لجأت بعض الشركات إلى تعديل المخططات الرئيسية للمشروعات، بما في ذلك مكونات اللاندسكيب والأنشطة التجارية ومساحات الطرق، دون العودة إلى العملاء للحصول على موافقتهم.
وأشار إلى أن خيار الانسحاب ليس جذاباً لكثير من المشترين، إذ تقوم بعض الشركات برد الأموال على فترات زمنية طويلة وبعد خصومات إدارية، ما يؤدي إلى تآكل القيمة الحقيقية للمبالغ المستردة بفعل التضخم، مطالباً بوضع إطار تشريعي أكثر توازناً لحماية حقوق جميع الأطراف.
بيع جديد لإنقاذ القديم
من جانبه، رأى استشاري تطوير الأعمال عبدالرحمن خليل أن جزءاً من الأزمة يعود إلى دخول شركات لا تمتلك الخبرة الكافية في التطوير العقاري، إضافة إلى الاعتماد على دراسات جدوى لم تستوعب التحولات الاقتصادية السريعة وارتفاع تكاليف البناء.
وأوضح أن العديد من المطورين المتعثرين يركزون حالياً على إعادة جدولة التزاماتهم والتفاوض مع العملاء لتعديل جداول التسليم، بينما تلجأ شركات أخرى إلى إطلاق مشروعات جديدة لتوفير السيولة اللازمة لاستكمال مشروعات قائمة، وهي ممارسة قد تثير مخاوف السوق إذا لم تكن مدعومة بقدرات مالية وتنفيذية حقيقية.
وأضاف أن بعض محاولات إنقاذ الشركات من خلال استقطاب مستثمرين جدد أو إبرام صفقات استحواذ تعثرت بسبب الفجوة بين التقييمات التي يطالب بها الملاك والقيمة الفعلية للأصول بعد احتساب الالتزامات وتكاليف التنفيذ المتبقية.
أزمة حوكمة قبل أن تكون أزمة تمويل
وتكشف الأزمة، وفق مراقبين، عن إشكالية هيكلية تتجاوز نقص السيولة أو ارتفاع التكاليف، لتصل إلى طبيعة إدارة الأموال داخل المشروعات العقارية. وبينما يؤكد المطورون أن الظروف الاقتصادية الاستثنائية فرضت إعادة هيكلة الالتزامات ومواعيد التسليم، يرى العملاء والخبراء أن غياب حسابات الضمان والرقابة المالية المستقلة سمح بتداخل التدفقات النقدية بين المشروعات.
ومع استمرار الجدل، تتزايد المطالب بإقرار تشريعات تعزز الشفافية، وتفرض تصنيفاً للمطورين وفق ملاءتهم المالية وسجلهم التنفيذي، إلى جانب الإسراع بإصدار قانون اتحاد المطورين العقاريين، بما يحد من تكرار الأزمات الحالية ويحمي مدخرات المشترين وثقة المستثمرين في السوق.