حتى القرن التاسع عشر الميلادي، القرن قبل الماضي، كانت هذه المنطقة تعيش سباتا علميا وأدبيا وشبه قطيعة معرفية عن العالم الحديث، خاصة عالم أوروبا وأميركا.
هذه حقيقة لايماري فيها إلا من لم يقلب ورقات التاريخ، نعم كان هناك لمعات فريدة وفردية من قبل عالم هنا أو سياسي هناك، لكنها لم تكن منتظمة في تيار موحد وروح جامعة وإرادة سياسية.
يتحدث بعض المؤرخين عن أن مواجهة المسلمين والعرب للتفوق الغربي العلمي والعسكري والسياسي مع الحملة الفرنسية النابوليونية ثم الحملات الإنكليزية على مصر وبلاد الشام، هي الشرارة التي أشعلت سؤال التقدم العلمي والإداري.
إلا أن هذا القول يؤرق هؤلاء العلماء لشعورهم بأن فيه تبعية للغرب وغض من قيمة العطاء الحضاري المسلم والعربي. وهذا أرق مقدر وحميد، لكنه في غير محله، فالحضارات أخذ وعطاء، وهي متنوعة في إسهاماتها، ولا علاقة لهذا كله بعصمة الإيمان ورقي الهوية الروحية وتميزها، وهذا بحث فيه حديث متشعب.
نريد القول إنه في القرن التاسع عشر الميلادي، خاصة من منتصفه (1950) بدأت انطلاقة كبرى في بلاد العرب، خاصةً من مصر ثم بلاد الشام فشمال افريقيا، كان فيها جلب وتوطين الصناعات العسكرية والزراعة الحديثة والمطبعة، التي كانت حدثا جللا، والترجمة والبعثات العلمية والطب والتعليم الحديث. كانت بداية ذلك في عهد مؤسس مصر الحديثة الباشا محمد علي، انطلاقا في البداية من الحرص على تقوية شوكة الجيش والعسكرية وإكسابه المزيد من المعارف، وصاحَب ذلك طبعا الطب والزراعة، وهكذا بدأت الأمور.
تالياً، تفجر هذا النبع الصغير عن انهار من الشخصيات العربية التي رسمت ملامح العصر العربي والإسلامي الحديث، في الأدب والشعر والنثر والعلم والسياسة والصحافة والموسيقى والتعليم العالي.
يكفي أن نتذكر في مصر الأزهري الطهطاوي والبلداني والصحافي الكبير علي باشا مبارك والاقتصادي طلعت حرب والشاعر أحمد شوقي والفنان سيد درويش، والنقاد العلماء العقاد وطه حسين وزكي مبارك بل وحتى محمود شاكر أبو فهر.
في غير مصر، نتذكر جمال الدين القاسمي وسعد الله الجابري ومحمد كرد علي في الشام، وخير الدين التونسي والطاهر بن عاشور والقاسم الشابي في تونس.
هذا هو عصر النهضة العربية والربيع العربي الفعلي، صحيح أنه ربيع سرعان ما تصحَّر وحل محله رياح خماسين من الجهل والتفاهة والانغلاق.. وصولا للربيع العربي الثاني الزائف. لكنه كان بكل حال عصرا حقيقيا من لحم ودم وعلم وعقل وقلب، مهما قال النقاد حوله من كلام قاس.. فقد كان زمنا حقيقيا.
حلقة جديدة من #مرايا يستعرض فيها الزميل #مشاري_الذايدي نفحات من تاريخ الربيع العربي الحقيقي.