"تشاتام هاوس": أفريقيا بحاجة لملائمة العلاقات الخارجية مع الأولويات الاقتصادية

في ظل تزايد أهمية موارد القارة وتنافس القوى الكبرى

المصدر: لندن - د ب أ
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
7 دقائق للقراءة

قالت تيغيستي أماري، مديرة برنامج أفريقيا بالمعهد الملكي للشؤون الدولية البريطاني (تشاتام هاوس)، في تحليل نشره المعهد، إن قارة أفريقيا لا تحظى بالتمثيل المناسب في هياكل الحوكمة العالمية، حيث تتعرض للتهميش فيما يتعلق بالقرارات التي تؤثر مباشرة على سكانها من الناحية الاقتصادية، مشيرة إلى أن التمثيل الأكبر يعد خطوة ضرورية لتعزيز النفوذ العالمي لأفريقيا، لكن الاندماج وحده لا يكفي. ويتطلب تجاوز الرمزية وحدة قارية أقوى وتوافقًا استراتيجيًا.

وأكد البحث أن مطالب القارة واضحة، وهي دور أكبر في تحديد القواعد ووضع الأجندات داخل المؤسسات العالمية القائمة. ويدعو القادة الأفارقة إلى تمثيل أكثر عدالة، وصوت قاري أقوى، وحرية اختيار العلاقات الثنائية بما يتناسب مع الأولويات الاقتصادية الوطنية.

سفير ألمانيا: نستهدف استيراد الهيدروجين من مصر ضمن مبادرة مبادلة الديون

وعلى الرغم من عقدين من التأييد، عقب إجماع إيزولويني الذي اعتمده الاتحاد الأفريقي عام 2005 (لإصلاح مجلس الأمن الدولي ومنح أفريقيا تمثيلًا مناسبًا)، لا يزال مجلس الأمن الدولي بدون عضو أفريقي دائم، على الرغم من أن أكثر من نصف مداولاته تتعلق بالصراعات في القارة.

وفي الاجتماعات الأخيرة للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، وصف رئيس سيراليون، مادا بيو، الذي تحدث بصفته رئيسًا للجنة العشرة التابعة للاتحاد الأفريقي المعنية بإصلاح مجلس الأمن، استبعاد أفريقيا بأنه "غير عادل وغير مقبول"، وجدد التأكيد على المطلب الأفريقي بمقعدين دائمين على الأقل بكامل الحقوق، ومقعدين إضافيين غير دائمين. ومع تزايد الدعوات لإصلاح المجلس، يُنظر إلى هذا الأمر بشكل متزايد على أنه اختبار لمصداقية الأمم المتحدة والتزامها بالعدالة.

وأشارت أماري إلى أن أفريقيا لا تزال أيضًا مهمشة في الحوكمة الاقتصادية العالمية، حيث تمتلك قوة تصويت محدودة في صندوق النقد والبنك الدوليين – على الرغم من تعرضها الشديد لصدمات الديون والمناخ. وهنا أيضًا، توجد دعوات متجددة للإصلاح.

ففي كلمته أمام اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة الأخيرة، حذّر رئيس كينيا، ويليام روتو، من أن الهيكل المالي العالمي الحالي يعاقب الدول الفقيرة بأسعار فائدة مرتفعة وشروط، بينما يكافئ الدول الغنية بشروط إقراض ميسرة. وأكد أن إصلاح صندوق النقد والبنك الدوليين ليس معروفًا أو خدمة لأفريقيا، بل ضرورة للحفاظ على مصداقيتهما ولتحقيق الاستقرار العالمي.

واعتبرت أماري أن انضمام الاتحاد الأفريقي إلى العضوية الدائمة في مجموعة العشرين عام 2023 كان إنجازًا مهمًا للغاية. فقد أصبحت أفريقيا أخيرًا ممثلة ككتلة في المنتدى الرئيسي للتعاون الاقتصادي، إلى جانب الاتحاد الأوروبي. وتعكس هذه اللحظة إجماعًا متزايدًا على أنه لم يعد من الممكن تهميش القارة.

كما تزامن هذا مع تولي المزيد من الشخصيات الأفريقية مناصب قيادية في مؤسسات عالمية رئيسية، مثل منظمة التجارة العالمية ومنظمة الصحة العالمية.

هيكلة الديون

وتُعقد قمة قادة مجموعة العشرين القادمة في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، وهي الأولى في القارة الأفريقية – في سياق إحباط عميق إزاء استمرار استبعاد وجهات النظر الأفريقية. وتعد القمة فرصة تاريخية لعرض الأولويات الأفريقية، وهي؛ إعادة هيكلة الديون غير المستدامة، وسد الفجوة السنوية لتمويل المناخ التي تبلغ 1.3 تريليون دولار للدول النامية بحلول عام 2035، ودمج منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية في أطر التجارة العالمية

وأشارت أماري إلى أن الاندماج الأكبر يفرض أيضًا مسؤوليات جديدة. فمع بدء المؤسسات الدولية في منح أفريقيا المزيد من المقاعد على الطاولة، يجب على القارة أن تكون مستعدة لمواجهة هذا التحدي. هذا يعني تجاوز مجرد الظهور إلى ممارسة تأثير حقيقي – وهو ما يتطلب تماسكًا وتخطيطًا استراتيجيًا وإرادة سياسية للعمل بشكل جماعي.

وتشمل المسارات الواضحة لهذا العمل؛ تحقيق الاستقلال المالي للاتحاد الأفريقي، وتعزيز إنفاذ الأطر القارية مثل اتفاقية التجارة الحرة القارية الأفريقية، والاستثمار في القدرات الفنية للمشاركة بفعالية في المفاوضات العالمية المعقدة بشأن الديون والتجارة والمناخ.

وترى أماري أنه من الناحية العملية، غالبًا ما تقوّض الطموحات الوطنية ودون الإقليمية المتباينة التماسك. وغالبًا ما تتفاوض الدول الأفريقية كجهات فاعلة منفردة بدلًا من التفاوض كتكتل داخل منظمات دولية مثل منظمة التجارة العالمية ومنظومة الأمم المتحدة، وهو ما يحد من القدرة على حشد الثقل الجماعي لأفريقيا في القضايا الرئيسية.

وبدون تفاهم مشترك على أن الإجراءات المحلية والإقليمية ينبغي أن تعزز المواقف الجماعية، لا أن تقسمها، تخاطر أفريقيا بإضعاف نفوذها.

ويظل الاتحاد الأفريقي هو المنصة الأكثر شرعية في القارة لتمثيلها على الصعيد العالمي، إلا أن مصداقيته غالبًا ما تقوّضها الموارد المحدودة، وبطء عملية صنع القرار، والتطبيق غير المتناسق لمبادئه الخاصة – على سبيل المثال، فيما يتعلق بالتغييرات غير الدستورية للحكومات.

المجموعة الاقتصادية

ومع ذلك، أظهر الاتحاد الأفريقي قوة عندما كانت ولايته واضحة – مثل التنسيق بشأن الأمن الصحي خلال جائحة كوفيد-19، ودفع اتفاقية التجارة الحرة القارية الأفريقية قدمًا.

وقالت أماري إن المجموعات الإقليمية، مثل: المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس) ومجموعة تنمية الجنوب الأفريقي (سادك) والهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية (إيغاد)، أقرب إلى أرض الواقع، وغالبًا ما تكون أسرع في الاستجابة للأزمات، إلا أن تداخل العضويات والتنافس السياسي وضعف التنفيذ يحد من فعاليتها.

وينبغي أن يكون من بين الأولويات الرئيسية إصلاح هذه المؤسسات الإقليمية لتحسين تعاونها ومواردها، بما في ذلك زيادة استغلال المساهمات المالية الداخلية للدول الأعضاء.

وقالت أماري إن مواءمة الاستراتيجيات الوطنية مع الأهداف الجماعية أمر في غاية الأهمية. وتعد التجارة مثالًا واضحًا على ذلك، حيث لن تنجح منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية إلا إذا قامت الحكومات بتنسيق الرسوم الجمركية، وتبسيط الإجراءات الجمركية، والاستثمار في البنية التحتية عبر الحدود.

وفي مجال الدفاع، يجب مواءمة الاستثمارات الوطنية في القدرات العسكرية مع الأطر القارية، مثل القوة الاحتياطية الأفريقية، التي لا تزال غير متطورة، ولكن يمكن أن توفر آلية موثوقة للاستجابات للأزمات بقيادة أفريقية.

لكن التحدي الرئيسي يظل تحديًا سياسيًا، نظرًا لأن القادة الوطنيين غالبًا ما يرون فائدة أكبر على المدى القصير في الاتفاقات الثنائية أو المشروعات المحلية، حتى عندما تقوّض هذه الاتفاقات النفوذ القاري على المدى الطويل.

الاهمية الاقتصادية والسكانية

وعلى الرغم من هذه العقبات، تتيح اللحظة الراهنة فرصة نادرة. فقد أصبحت أفريقيا أكثر ظهورًا من أي وقت مضى في الحوكمة العالمية، وتتزايد أهميتها السكانية والاقتصادية، وتتنافس القوى الكبرى – ومن بينها الولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي، والصين، وروسيا، ودول الخليج – على إقامة شراكة معها.

ومع ذلك، بدون وحدة وتوافق استراتيجي، تخاطر القارة بأن تصبح ساحة لتنافس القوى العظمى بدلًا من أن تكون واضعة للقواعد العالمية.

واختتمت أماري تحليلها بالقول إن أفريقيا تواجه الآن خيارًا صعبًا: إما تمثيل هادف ذو نفوذ، أو ظهور رمزي دون تأثير. وتحقيق الخيار الأول يتطلب إصلاحات صعبة، وهي؛ استقلال مالي أكبر للمؤسسات القارية والإقليمية، وتنسيق أقوى بين الكتل الإقليمية، واستراتيجيات وطنية تتوافق مع الأهداف القارية.

كما يتطلب التزامًا بمعالجة العقبات البيروقراطية داخل المؤسسات الأفريقية التي تعوق المشاركة الفعالة، واستخدام منصات جديدة – مثل مقعد الاتحاد الأفريقي في مجموعة العشرين – ليس فقط للحضور، ولكن أيضًا لتشكيل النتائج.

وأكدت أماري أن الرمزية لها مكانها، لكن التأثير الدائم يتطلب عملًا منسقًا ورؤية استراتيجية وإرادة سياسية.

الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط