قبل الإسلام كانت بلاد الشام والعراق، والجزيرة العربية، متنوعة في مذاهبها وأديانها، من مسيحية ويهودية ومجوسية حتى، وكانت النسبة العظمى من العرب لا يدينون بأي من ذلك.
كان الغساسنة ملوك الشام من قبل الرومان، وهم أبناء عمومة بني قيلة أي الأنصار الأوس والخزرج، ولذا نجد في شعر حسان قبل الإسلام الكثير من الثناء على ملوك الغساسنة، كقوله:
أبناء جفنة حول قبر أبيهم ... قبر ابن مارية الكريم المفضل.
بعد الإسلام دخلت غالبية العرب في الرسالة الجديدة، وامتزج الدين باللسان والجنان، لكن فئات قليلة ظلت على دينها القديم، ومن هذا من بقي مسيحيا من العرب.
استمر هؤلاء العرب من معتنقي المسيحية عربا في طبائعهم ولسانهم وأخلاقهم في كنف الدين الإسلامي بشتى دوله وعهوده من بني أمية إلى عصور متأخرة قبل انبثاق العصور الحديثة وما فيها من فكرة الدولة الوطنية.
حديث التاريخ القديم متشعب ومتعدد نلمح فقط لأشياء عابرة منه، فقد كان الأخطل التغلبي من رموز البلاط الأموي وكان ثالث ثلاثة من فحول الشعر العربي في ذلك الوقت، وهما جرير والفرزدق. وكان طبيب معاوية نفسه نصرانيا عربيا، وكانت أسرة بختيشوع المسيحية من أشهر الأسر الطبية الراقية في العهد العباسي. وكانوا موضع ثقة للدولة الأموية وكتابا للديوان في أكثر من عهد إسلامي.
في العصر العثماني كان لهم دور في التنوير، وفي إدخال المطبعة، وفي أواخر العهد العثماني. وكانت جمعية «العربية الفتاة» مكونة منهم وكان لها دورها في الداخل. وشنق عدد منهم، مع زملائهم المسلمين، في عام (1916) بأوامر الوالي العثماني جمال باشا السفاح.
في العصر الحديث ظهر منهم مع عدد من العرب المسلمين.ـ علامات في التيار العروبي، وكان منهم بطرس البستاني علامة اللغة العربية وآدابها، وأديب اسحاق، وآخرين من الأدباء والشعراء، كرشيد الخوري المعروف بالشاعر القروي أو شاعر العروبة، والأخطل الصغير بشارة الخوري... إلخ، ومن بينهم أبرز رموز الحركة الوطنية في مصر الزعيم السياسي مكرم عبيد باشا الذي ينتمي لأشهر العائلات القبطية، تقلد وزارة المواصلات ووزارة المالية، وكان أحد المناضلين ضد الاحتلال الإنجليزي لمصر.
كون المسيحيون العرب في العصر الحديث طبقة اقتصادية متعلمة ومميزة في سوريا، ولبنان ومصر كما أنهم أصحاب أثر كبير في النهضة الثقافية، من بينهم علماء ومؤرخون بارزون كـ نقولا زيادة، وقسطنطين زريق، ويونان لبيب رزق.
في هذه الحلقة من مرايا يقرر الزميل مشاري الذايدي بأن أثر المسحيين العرب كان محفوراً بعمق في الذات العربية وسما على أديم الزمن.